Skip to main content
x
M

من الخليج إلى المتوسط.. هل يملك العرب شجاعة بناء قوة ردع


بقلم الأستاذ الدكتور/ هشام فخر الدين
لم تعد المنطقة العربية تعيش مجرد أزمات متفرقة يمكن التعامل معها واحدة تلو الأخرى، وإنما دخلت مرحلة تاريخية تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية، حيث أصبح ما يحدث في فلسطين مرتبطاً بصورة أو بأخرى بأمن البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط. وبالتنافس الإيراني الإسرائيلي، وبطبيعة الدور الأمريكي في المنطقة، وبصراع أوسع على النفوذ وممرات التجارة والطاقة. وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، يبرز سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: هل يستطيع العرب الإنتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة التوازنات؟ وهل يمتلكون الإرادة السياسية لبناء منظومة أمن عربية قادرة على حماية مصالحهم ومنع فرض ترتيبات إقليمية عليهم بقوة الأمر الواقع؟
إن الدعوة إلى بناء تحالف عربي وقوة ردع عربية مشتركة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى الحرب أو مشروعاً موجهاً ضد دولة بعينها، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة بناء مفهوم الأمن القومي العربي على أساس جديد يقوم على امتلاك القدرة على الدفاع عن المصالح العربية، وحماية السيادة ومنع الاعتداءات والحفاظ على أمن الممرات البحرية والمنشآت الحيوية. 
فالردع في العلاقات الدولية لا يعني بالضرورة استخدام القوة، بل يعني امتلاك القدرة التي تجعل الطرف الآخر يفكر أكثر من مرة قبل الإقدام على استخدامها. وكلما كانت تكلفة العدوان مرتفعة وغير مضمونة النتائج، زادت فرص اللجوء إلى التفاوض والدبلوماسية بدلاً من الحرب.
وقد كشفت السنوات الأخيرة أن الفراغ الاستراتيجي في المنطقة لا يبقى فراغاً، وإنما تسارع إلى ملئه قوى إقليمية ودولية تمتلك رؤى واضحة لمصالحها، وتستخدم أدوات متعددة تبدأ بالقوة العسكرية ولا تنتهي عند الاقتصاد والتكنولوجيا والاستخبارات والإعلام والدبلوماسية. وفي المقابل يمتلك العالم العربي إمكانات هائلة من حيث الموارد البشرية والاقتصادية والجغرافية والعسكرية،  إلا أنه يعاني في كثير من الأحيان من تشتت هذه الإمكانات وعدم وجود إطار استراتيجي قادر على تحويلها إلى قوة جماعية مؤثرة. وبالتالي فإن المشكلة العربية ليست بالضرورة في غياب عناصر القوة، وإنما في غياب القدرة على جمعها داخل منظومة واحدة تخدم أهدافاً استراتيجية مشتركة.
ولا يمكن لأي تحليل واقعي لمستقبل المنطقة أن يتجاهل العدو الإسرائيلي وعلاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية. وهذا الواقع يفرض على الدول العربية التعامل معه بمنطق استراتيجي بعيداً عن الشعارات والانفعالات، لأن موازين القوى لا تُبنى بالأمنيات وإنما بالقدرات. فموازين القوى في العلاقات الدولية ليست ثابتة، وإنما تتغير بتغير القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والتحالفات السياسية والإرادة الاستراتيجية.
وفي المقابل فإن التعامل مع الدور الأمريكي في المنطقة يحتاج إلى قدر مماثل من الواقعية. فالولايات المتحدة قوة دولية كبرى تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، وترتبط سياستها في الشرق الأوسط باعتبارات متعددة، من بينها أمن حلفائها، وأمن الطاقة، وحماية طرق التجارة والملاحة، ومواجهة القوى المنافسة، والحفاظ على نفوذها الجيوسياسي. وليس من الواقعي أن يُطلب من دولة كبرى التخلي عن مصالحها، لكن الواقعي أيضاً أن تعمل الدول العربية على حماية مصالحها هي، وأن تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وغيرها من القوى الدولية. فالمشكلة ليست في وجود علاقات استراتيجية عربية أمريكية، وإنما في أن يصبح الأمن العربي معتمداً بصورة مفرطة على ترتيبات أمنية خارجية تجعل القرار العربي أكثر تعرضاً لتغير أولويات القوى الكبرى.
ومن هنا يصبح مفهوم الاستقلال الاستراتيجي العربي أكثر أهمية. والاستقلال الاستراتيجي لا يعني الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة أو قطع العلاقات معها، كما لا يعني استبدال النفوذ الأمريكي بالنفوذ الروسي أو الصيني. وإنما يعني أن تكون للدول العربية قدرة ذاتية أكبر على حماية أمنها ومصالحها، وأن تدخل في علاقاتها الدولية من موقع الشريك القادر على التفاوض، وليس الطرف الذي يبحث دائماً عن مظلة حماية خارجية. وكلما ازدادت القدرة العربية على حماية المصالح العربية، أصبحت العلاقات مع القوى الكبرى أكثر توازناً وأقل قابلية للإبتزاز السياسي.
وفي هذا السياق تبدو مصر ودول الخليج أمام مسؤولية استراتيجية خاصة، ليس باعتبارها بديلاً عن بقية الدول العربية، وإنما بسبب ما تمتلكه من عناصر قوة يمكن أن تشكل قاعدة لأي منظومة أمن عربي مستقبلية. فمصر تمتلك موقعاً جغرافياً فريداً يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتتمتع بقدرات عسكرية وبشرية كبيرة ومرعبة للعدو الصهيونى وحليفه الأمريكى. كما أن قناة السويس تجعلها جزءً محورياً من أمن التجارة العالمية. وفي المقابل تمتلك دول الخليج إمكانات اقتصادية ومالية وتكنولوجية كبيرة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المرتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية. وإذا جرى توظيف هذه الإمكانات في إطار شراكة عربية متوازنة وتحالف على كافة الأصعدة عسكرياً واقتصادياً، فإن ذلك يمكن أن ينشئ قاعدة صلبة لمشروع استراتيجي أوسع.
ولا ينبغي أن تكون العلاقة بين مصر ودول الخليج قائمة على فكرة أن طرفاً يقدم التمويل وطرفاً يقدم القوة العسكرية، وإنما على مفهوم التكامل الاستراتيجي؛ فالأمن العربي يحتاج إلى المال والتكنولوجيا والصناعة والقدرة العسكرية والموقع الجغرافي في الوقت نفسه. وإذا أمكن تحويل هذه العناصر إلى منظومة واحدة، فإن العالم العربي سيمتلك وزناً وثقلاً أكبر بكثير مما يمتلكه كل طرف منفرداً.
ويأتي البحر الأحمر في مقدمة المناطق التي تكشف الحاجة إلى هذه الرؤية المشتركة. فهذا الممر المائي ليس مجرد منطقة جغرافية، وإنما شريان رئيسي للتجارة العالمية، وترتبط سلامته ارتباطاً مباشراً بقناة السويس وبأمن الخليج وبمصالح الدول العربية المطلة عليه. وأي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة وعلى الاقتصاد العالمي والعربي.
كما يمكن أن يمنح قوى إقليمية ودولية قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة. ولذلك فإن الأمن البحري العربي يجب أن يتحول إلى جزء أساسي من منظومة الأمن القومي العربي، من خلال تطوير أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، والتعاون بين القوات البحرية العربية، وحماية خطوط الملاحة والمنشآت الحيوية، دون تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للتصعيد العسكري.
أما الخليج فإنه يمثل بدوره إحدى أكثر المناطق حساسية في معادلة الأمن الإقليمي، نظراً لأهميته الاقتصادية والاستراتيجية وارتباطه بأمن الطاقة والتجارة العالمية. وهنا لا يمكن تجاهل إيران باعتبارها قوة إقليمية رئيسية تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية وتكنولوجية وشبكات نفوذ واسعة في المنطقة. إلا أن التعامل مع إيران لا ينبغي أن يقوم بالضرورة على منطق الحرب المفتوحة، لأن الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والتداخلات الأمنية تجعل الحوار جزءً لا غنى عنه من أي استراتيجية طويلة المدى. وفي هذا السياق فإن وجود قوة ردع عربية قوية لا يجب أن يكون موجهاً نحو إشعال مواجهة مع إيران، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق توازن يسمح بالتفاوض من موقع أكثر قوة ويجعل التفاهم أقل تكلفة من الصراع.
كما أن شرق المتوسط أصبح منطقة استراتيجية تتقاطع فيها قضايا الطاقة والحدود البحرية والموانئ وطرق التجارة والتحالفات العسكرية. وبالتالي فإن الدول العربية المطلة على المتوسط تحتاج إلى رؤية مشتركة لحماية مصالحها البحرية والاقتصادية، خاصة مع تنامي التنافس الدولي والإقليمي في المنطقة. وهنا تظهر أهمية الموقع المصري مرة أخرى، لأن أمن البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس ليس منفصلاً، بل يشكل في مجموعه منظومة جغرافية واستراتيجية واحدة.
إلا أن السؤال الأكثر أهمية يظل: كيف يمكن بناء قوة ردع عربية قابلة للحياة؟ الإجابة الواقعية تقتضي عدم البدء بمشروع ضخم لإنشاء جيش عربي موحد دفعة واحدة، لأن الاختلافات السياسية والاستراتيجية بين الدول تجعل هذا الأمر بالغ الصعوبة. والأفضل هو البناء التدريجي من خلال إنشاء منظومات مشتركة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الدفاع الجوي والصاروخي، وإجراء تدريبات ومناورات مشتركة، وإنشاء غرف عمليات وتنسيق عسكري، ثم تطوير قدرات بحرية وسيبرانية وفضائية مشتركة، وصولاً إلى قوة ردع عربية ذات مهام محددة وقواعد واضحة.
والقوة العسكرية وحدها لن تكون كافية، فالحروب الحديثة أثبتت أن التفوق في المعلومات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأقمار الصناعية والطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية، يمكن أن يكون حاسماً بقدر أهمية الطائرات والسفن والدبابات. ولذلك فإن أي مشروع عربي للردع يجب أن يترافق مع مشروع عربي لتوطين الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا العسكرية، وإقامة مراكز بحثية مشتركة، والاستثمار في الكفاءات العربية، حتى لا تظل الدول العربية مستهلكة للتكنولوجيا العسكرية التي تنتجها دول أخرى.
إلا أن التحدي الحقيقي ليس تكنولوجياً أو عسكرياً، وإنما سياسياً في المقام الأول. فالقوة مهما بلغت تحتاج إلى قرار سياسي موحد، وآلية واضحة لاتخاذ القرار، وتعريف مشترك لمفهوم التهديد والاعتداء. ولذلك فإن إنشاء قوة ردع عربية يجب أن يسبقه أو يتزامن معه اتفاق عربي للأمن الجماعي يحدد بوضوح الحالات التي تستدعي التدخل الجماعي، ويضمن في الوقت نفسه ألا تتحول هذه القوة إلى أداة للتدخل في الخلافات السياسية الداخلية بين الدول العربية.
فــــــــــ العرب لا يحتاجون إلى قوة ردع لكي يخوضوا حرباً جديدة، وإنما يحتاجون إليها حتى تصبح الحرب خياراً صعباً أمام أي طرف يفكر في استخدام القوة ضدهم. وهذه نقطة جوهرية يجب فهمها بعيداً عن الخطاب العاطفي؛ فامتلاك القوة لا يعني استخدامها، تماماً كما أن امتلاك السلاح النووي لدى بعض القوى الكبرى لا يعني بالضرورة استخدامه، وإنما تكمن أهميته في تأثيره على حسابات الخصوم.
فالسياسة الأكثر واقعية ليست التي تبحث عن عدو دائم، وإنما التي تبني قدرة تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم عند التعامل معها. وإذا استطاع العرب امتلاك قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية متماسكة، فإنهم لن يكونوا مضطرين إلى اختيار معسكر دولي على حساب آخر، بل سيكون بإمكانهم التعامل مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا والقوى الإقليمية وفق مصالحهم الوطنية والقومية.
فلقد أثبتت التجارب أن الدول التي لا تصنع توازناتها بنفسها تصبح عرضة لتوازنات يصنعها الآخرون. ولذلك فإن اللحظة الراهنة تستدعي إعادة التفكير في منظومة الأمن العربي بعيداً عن ردود الفعل المؤقتة. فالقضية ليست في الدخول في سباق تسلح مفتوح، وليست في تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دائم، وإنما في بناء حد أدنى من القوة المشتركة التي تمنح العرب القدرة على حماية أمنهم ومصالحهم، وتدعم الدبلوماسية بدلاً من أن تلغيها.
والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه أمام النظام العربي ليس: من سيحمينا إذا تعرضنا للخطر؟ وإنما: هل نمتلك نحن القدرة على حماية أنفسنا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير موقع العرب في النظام الإقليمي الجديد. فالسلام الحقيقي لا يقوم على الضعف، والاستقرار المستدام لا يحتاج إلى غياب القوة، وإنما يحتاج إلى قوة مسئولة تستخدم لمنع الحرب لا لإشعالها. وإذا أراد العرب أن يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل الشرق الأوسط، فعليهم أن ينتقلوا من مرحلة انتظار الآخرين لصناعة التوازنات إلى مرحلة المشاركة الفعلية في صناعتها، وأن يدركوا أن بناء تحالف عربي وقوة ردع مشتركة ليس مشروعاً للعدوان، وإنما مشروعاً لحماية السيادة، وتأمين المصالح، وتعزيز التفاوض، ومنع فرض الأمر الواقع بالقوة. فالعرب لا يحتاجون إلى قوة تحارب العالم، وإنما إلى قوة تجعل العالم يحسب حساب مصالحهم.

Google AdSense – Article